عمر السهروردي
261
عوارف المعارف
في قيودهم ، فلما مدت السفرة والأسارى ينتظرون الأواني حتى تفرغ ، قال للخادم : أحضر الأسارى حتى يقعدوا على السفرة مع الفقراء ، فجاء بهم وأقعدهم على السفرة صفا واحدا ، وقام الشيخ من سجادته ومشى إليهم وقعد بينهم كالواحد منهم ، فأكل وأكلوا ، وظهر لنا وجهة ما نازل باطنه من التواضع للّه ، والانكسار في نفسه ، وانسلاخه من التكبر عليهم بإيمانه وعلمه وعمله . أخبرنا أبو زرعة إجازة عن أبي بكر بن خلف إجازة عن السلمى قال سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت الجريري يقول : صح عند أهل المعرفة أن للدين رأس مال : خمسة في الظاهر وخمسة في الباطن . فأما اللواتي في الظاهر ، فصدق في اللسان ، وسخاوة في الملك ، وتواضع في الأبدان ، وكف الأذى ، واحتماله بلا إباء . وأما اللواتي في الباطن ، فحب وجود سيده ، وخوف الفراق من سيده ، ورجاء الوصول إلى سيده ، والندم على فعله ، والحياء من ربه . وقال يحيى بن معاذ : التواضع في الخلق حسن ، ولكن في الأغنياء أحسن ، والتكبر سمج في الخلق ، ولكن في الفقراء أسمج . وقال ذو النون : ثلاثة من علامات التواضع : تصغير النفس معرفة بالعيب ، وتعظيم الناس حرمة للتوحيد ، وقبول الحق والنصيحة من كل واحد . وقيل لأبى يزيد : متى يكون الرجل متواضعا ؟ قال : إذا لم ير لنفسه حقا ما ولا حالا من علمه بشرها وازدرائها ، ولا يرى أن في الخلق شرا منه .